ابن أبي أصيبعة

38

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

إلى الدرس والنقل والنسخ ومطالعة كتب الحضارات الأخرى ، واختيار ما يصلح للعصر لينقل للأجيال في صورة علمية لائقة » « 1 » . وكان المأمون نفسه محبا للعلم والعلماء . ولهذا أحاط مجلسه بكوكبة من علماء عصره . ويبرز هذه الحقيقة يحيى بن الأكثم حين يقول : « أمرني المأمون أن أجمع له وجوه الفقهاء ، وأهل العلم من بغداد . فاخترت له من أعلامهم أربعين رجلا وأحضرتهم له ، وجلس لهم المأمون فسأل عن مسائل وأفاض في فنون الحديث والعلم » « 2 » . ويروى صاحب عيون الأنباء في طبقات الأطباء رواية يصعب علينا تصديقها . . والرواية التي يرويها نقلا عن يوسف بن إبراهيم حيث يقول : « ولما رأى المأمون المنام الذي أخبر به أنه رأى في منامه كأن شيخا بهىّ الشكل جالسا على منبر وهو يخطب ويقول : « أنا أرسطوطاليس » أتيته من منامه ، وسأل عن أرسطو فقيل له رجل حكيم من اليونانيين ، فأحضر حنين بن إسحاق إذ لم يجد من يضاهيه في نقله ، وسأله نقل كتب الحكماء اليونانيين إلى العربية » « 3 » . وقد لا نقبل صدق مثل هذه الروايات . فإن مسائل العلم صانع الحضارات والتقدم لا يجوز تفسيرها على أساس رواية أو حلم ، لكن الذي لا شك فيه عندنا أن المأمون كان مدركا تماما لأهمية الترجمة في صنع الحضارة والتقدم الإنسانى ، وأنه سمع الكثير عن فلاسفة وعلماء اليونان من خلال مجلس العلم الذي كان يعقده في قصره ، ولهذا أمر مترجمى بيت الحكمة بترجمة كتب اليونان لإدراكه مدى النفع العلمي الذي قد يتمخض عن هذه الترجمات ومن هنا فلا يجوز لنا أن نعتمد على مثل هذه الروايات التي لا تفسر المسائل تفسيرا علميا أو منطقيا .

--> ( 1 ) ماهر عبد القادر : حنين بن إسحاق ص 47 ، 48 . ( 2 ) شوقى ضيف : العصر العباسي الأول ، طبعة دار المعارف / القاهرة ص 98 . ( 3 ) ابن أبي أصيبعة : عيون الأبناء في طبقات الأطباء . [ انظر الجزء الثاني من الكتاب . الفصل الثامن حنين بن إسحاق ، وطبعة مولر ج 2 ص 142 ]